رسالة إلى لبنان : معذرة فأنا عربي  

July 24, 2006





لست عربي في الأصل والدماء ، فأنا من أولاد حام لا سام ، لكن هذا لم يمنعني يوما من أن أفتخر بانتمائي لهذه الحضارة العريقة والمجيدة ، على الرغم من أن صغر عمري ، أو كبره لا فرق ، لم تجعلني أشهد أي لحظة تستحق الفخر والتبجيل في تاريخ هذا الوطن المكلوم دائما وأبدا ، انتميت كغيري ، تارة بحكم تعلق بأطلال مجد بائدة خلقها أجداد يستحقون التحية ، وتارة بحكم انتظار لوعد الحق بنصر بعد غلبة ، وتارات بحكم أني مغصوب أراد لي القدر أن لا أعرف انتماء لغير ذلك الوطن ، وتارات عديدة أخرى بحكم القدر الذي لم يجعل لمستقبلي مكان إلا في هذه الأرض !!
لكني ولأول مرة _ صادقاً هذه المرة _ أخجل من كوني عربي !! أقولها بمرارة لم تعرفها شفتاي من قبل ، أقولها وقلبي يعتصره ألم المكلوم في عزيز ، بل ألم المذلول على أيدي خسيس ، والألم هنا أعمق وأوجع . في حياتي أصلا لم أعرف من تاريخي _ ولم أصنع له _ إلا كل لحظات الخيبة والهوان ، لا أدري لما لكن إيماني بمولانا الحكيم جعلني أصبر ، لا على هوان الحال فقط ، وإنما على الحياة كلها ، لكن مرارة اليوم لا تعرف طعم طريق أيوب ، لسنا بإيمانه وليس في حياتنا أيوب لنختبر صبره أو ليخبر مذلتنا ، رحمة الله أرادة له أن تكون مصيبته في نفسه وولده وماله ، وإرادة الخبير أرادة أن تكون مصيبتنا في كرامتنا وروحنا ، والأمران ليسا بالسيان !!
عن ماذا أتحدث ؟؟ عما فعلته بنا الدنيا من مذلة ، عما فعلناه لنستحق بجدارة لقب العرب ، ففي قاموس اليوم لا معنى لهذه الكلمة إلا المذلة والخضوع والانسحاق ، عن خيانتنا لأهلنا ، لميراث أجدادنا ومستقبل أحفادنا ، عن خيانتنا حتى لأنفسنا ، أن يترصدنا العالم كله ، لا أدري لماذا ، أمر جائز وغير محرم ، فكل يخطب وِد ليلاه ويبكيها ، لكن أن نترصد لأنفسنا بهذا القدر من الدونية والغباء أمر يضيع معه كل معنى ، وتصبح عبثية الحياة هي الحكم فنأسف على كوننا ، وعلى مجرد عيشنا !!
بالأمس كان العراق ، واليوم لبنان ، وكل يوم لدينا في الأفق فلسطين ، وبين ساعة وساعة نملك من أطراف الخيبة في كل قطر من أقطار الجيفة المسماة بالوطن العربي مصيبة أخرى ، ولم نبتعد في السودان من نجاسة الذل وتربص الجوارح . أرادوا بنا هذا فرضينا ، ورثناه مع جملة أخطاء من سبقونا ، فشلنا في إصلاحه لمن يلحقونا ، كل الأمر بطعم علقمه مقبول ولو على مضض ، لكن أن نشارك في تشويه أرض الوطن ، وفي سلب كرامته وعزته ؟؟
بيروت تحت نيران الأوغاد الصهاينة ، وكأن هذا لا يكفيها ، وهي تشرف على اللحاق بسقوط القدس وبغداد من قبلها ، لا ، صار عليها أن تبكي حرقة خيانة أشقائها العرب ، مثلها مثل من سبقوها ، العالم يتفرج على تراجيديا جديدة منقولة على الهواء مباشرة من أرض الأرز ، ونحن نصفق !! صمت وهوان وتحاشي للنظر إلى ماحدث ويحدث ، وإلى النظر في أعين اليتامى أو استراق السمع لصرخات الثكلى ، لا جديد ، الجديد هو ماصدر من أرض العرب ولغة الضاد ، مصدر رسمي _ أو غير رسمي المهم أنه عربي _ وغير مسؤول بالمرة ، يصرح أن مايحدث هو نتيجة لمغامرة غير مسؤولة من قبل بعض أطراف المقاومة اللبنانية ، وعليها ومعها أهل لبنان أن يتحملوا النتائج !! أتصل الدونية والتفاهة بأحدهم لمجرد التفكير في مثل هذا الحديث ؟؟ تعودنا أن نقبل صمت الملاعين من المسؤولين العرب على مايحدث من اغتصاب لأرض الوطن وكرامته ، وفي كل مرة نقول : مغلوبين على أمرنا ومالنا من فعل إلا الدعاء ، ولا يرد الظلم إلا الرحيم ، لكن أن يصدر عنا مثل هذا الحديث ؟؟ وليس هذا فقط ، ابو عباس من أسابيع وصف عملية للمقاومة بأنها حقيرة ، وقادتنا يضغطون على أهل المقاومة البواسل ليرفعوا راية الهوان البيضاء ، وثلة من مدعي المعرفة والثقافة وهم ليسوا إلا محض خونة ونجاسة ، يدعوننا إلى الاعتراف بأمر الواقع والتعايش السلمي ، لأنه ليس من الإمكان أفضل مما قدر له أن يكون !! وكأنه وباستسلامنا ولو كان لنا من ورائه كل الأرض ، سنورث لأحفادنا كل الكرامة والمعزة ، أليس في هذا وغيره مما حولنا سلب لهذا ولحياة أبية وكريمة لمستقبلنا ؟
ليس الأمر فقط أننا كشعوب بعيدا عن المسؤولين والساسة مغلوبين على أمرنا لا حول لنا ولا قوة ، فلا نقدر بضعفنا وهواننا على الناس أن نحرك ساكناً عربياً أو نوقف متحرك غربي !! بل أننا نحن المسؤولين عما نحن فيه ، مسؤولين بهوان أمرنا علينا ، مسؤولين بسكوننا وخنوعنا لطغاتنا وطغاتهم ، لأسيادنا وأسياد أسيادنا ، مسؤولين برضانا بالظلم والهوان وكأننا المجني عليهم ، مسؤولين بسكوتنا عما يجري اليوم وكل يوم من مهازل !! سكوتنا هو داؤنا ، هو مصيبتنا فيما ملكنا ، أهل الأقصى وغزة ولبنان يموتون أمام أنظارنا الكسيرة ، ونحن نشغل بالنا بكل مالايشغل بال عاقل ، حتى حالنا الخاص ، تركناه ، وتركنا من لا يساوي غرز نعلنا يحكم ويتحكم فينا ، فعرفنا أننا لا نساوي غرز نعليه !!
لا أدري ما أقول ، إلا أني للأسف ، عربي !! لا كأس اليوم لهذا الوطن ، فلا كؤوس الدنيا كلها تنسيني هواني أو تنسيني من مات من أطفال ، عزائي ليس لهم فقط ، عزائي لنفسي ولأمتي ، فقد ماتت كرامتنا وقلوبنا قبلهم ، لا أعقل بعد موت حياة ، فهل لربي أمر جديد ؟؟ رحماك ربي ، إرحمني وأرفع عني عروبتي ، فقد أثقلت كاهلي بذل لم يره من خلقك أحد .

Facebook Comments

Design by Blogger Buster | Distributed by Blogging Tips