يوتوبيـــا  

March 27, 2008

منذ متى ضاع كل شيء

يوتوبيا ... رواية قصيرة أو تجلية أدبية للمفضل عندي دائماً د. أحمد خالد توفيق . لست دارساً للأدب لأحلل مكامن الضعف والقوة فيما أقرأ .. ولست ناقداً متمرساً يتكسب من هدمٍ في شكل بنـاء أو في تأنيب المعلم لتلميذه أو بمديح لا يشبع إلا شهوة من وجه إليه .. لكني أعرف متى يعجبني شيءومتى لا يعجبني .. يوتوبيا أعجبتني بالتأكيد ..


لا أعرض هنا ملخص للرواية ولا رأيي الخاص بها .. وإنما بعض ما جال في ذهني وأنا أجول في هذه اليوتوبيا .. لا أدري ..


العنوان (يوتوبيا) يدق في رأسي يوتوبيا توماس مور وجنان عدن والفردوس الأعلى وما شابه .. لهذا أردت الرواية حتى أهرب من عالم أسود إلى يوتوبيا مسكنة ولو في صفحات كتاب .. للأسف الأسم هو دعابة قاسية من د.خالد .. الفكرة أنك عزيزي القارء في المستقبل غير البعيد من اللحظة .. حيث انقضى أثر ما يدعى بالطبقة الوسطى في العالم .. حيث أصبحت الحياة إما في قمة الغنى وفحشه وبذخه في مستعمرات أو جيتو بالتراضي يسموه يوتوبيا .. وإما في قاع الفقر بكل قسوته ومراراته ...


في يوتوبيا حيث الغنى والمال .. الشهوة والرفاهة .. هي مفاتيح اللعبة .. الخمر تجري أنهاراً .. الفلوجستين - مخدر خيالي - وغيره من أصناف الهباب متاح للجميع .. الجنس بكل أشكاله وبلا أي دعوى للتناسل وإنما لمجرد قضاء الشهوة ، وأحياناً للقضاء على الملل ليس إلا .. كل طلباتك مجابه .. لا إرهاق .. لا مرض .. لا جوع .. ومع كل هذا لا جديد !! يأتي الملل ليفتك بالجميع .. وببطل القصة (الصياد) ..


في القاع .. حيث الفقر ، والجوع ، والمرض بلا أمل ، والجريمة ، والقسوة ، ولا كلاب ضالة - أصبحت نادرة لأنها أصبح فريسة ثمينة للناس - ، والجنس بكل أشكاله - لا تعتقد أنه للتناسل فأحياناً أيضاً لكسر الملل ولقضاء الشهوة ، وللتنفيس عن كبت بلا حدود - ويظهر لنا من وسط كل هؤلاء جابر (الفريسـة)


هنا تتضح الصورة .. القصة عبارة عن اختزال للطبقات وصراعها .. القصة كئيبة .. مؤلمة .. قريبة جداً من الواقع .. لدرجة تستطيع أن تتلمس أنيابها . وباختصار يحاول ساكن يوتوبيا أن يكسر الملل بهواية جديدة وهي أن يتسلل هو وصاحبته إلى القاع كي (يصطاد) أحد سكان القاع - يسمونهم الأغيار !! - ليعود بتذكار من جسده كيدٍ أو ذراع ؟!!


في محاولته التي تبوء من بدايتها بالفشل .. ينقذ جابر الصياد القادم من يوتوبيا .. ومع حقده وكرهه الخالص لهؤلاء الأغنياء المنحلين .. يعرف أنه لن يقتلهم .. يجب أن يظل محتفظاً بآدميته ..


" كنت أكرههما كالصراصير . من الجميل أن تكره بصدق وحرارة . منذ دهورٍ لم أكره شيئاً بهذا الصدق .. كل شيء ألقاه بعاطفة إشمئزاز عميقة لكن لا كراهية . أنت لا تكره البصاق .. فقط تشمئز منه .. من الجميل أن تكره ..

برغم كراهيتي تلك - وربما لأجلها - لا أني قتلهما .. هذه النقطة التي تحدد كل شيء .. الدليل الوحيد الذي يخبرني أنني ما زلت آدمياً ولم أتحول إلى ضبع . إنني في هذا أتفوق عليهما .. على أهلي وجيراني .. على من كنته أمس .."

يفكر أن ينفرد بأنثى الصياد ليمارس معها الجنس عنوة .. ليكسر نفسها .. ليقهرها .. وفي قهره لها قهر لطبقة بأكملها لا قهر لأنثى .. لكنه لم يستطع أن يفعل .. وهي مخدرة بين يديه عديمة الحيلة !! لا يدري هل لأن يوتوبيا لها عليه سلطة ؟ أم لأن ضميره ما زال الحكم ؟


يساعدهما في الفرار وفي غيابه .. يغتصب الصياد أخت جابر !!! لا شيء .. فقط اشتهاها واشتهى أن يجرب مذاقها .. هي بالنسبة له لا شيء .. هي السبب في فقرها لا هو وأهله .. هي من ارتضت أن تعيش فيه وعليه أن تدفع الثمن !!


يعود جابر ويساعدهما في الفرار من القاع .. بنفق سري يعرفه ليوتوبيا .. يودعهما .. وفي طريق مغادرته .. يهوي الفتى الصياد بحجر على جابر .. يقتله ويقتل منقذه .. لا شيء .. جابر مجرد أحمق في نظره .. انتهى دوره عند هذا الحد .. نعم ساعده .. ربما أنقذ حياته مرة أو مرتين .. ما المشكلة ؟؟ هو أمر عادي .. اللحظة الآن هي أنه ربما لن يستطيع تجربة الصيد مرة أخرى فلم لا يغتنم الفرصة ويأخذ تذكاراً منها ؟؟ يخرج مديته .. يقتطع ذراع جابر .....


مشهد النهاية نرى فيه ثورة غير مضمونة النهاية بنصر أو هزيمة لأهل القاع على أهل يوتوبيا .. جندي المارينز القائم على حماية يوتوبيا يؤكد للفتى ألا داعي للقلق مع سقوط أول خمس مائة بهيم من هؤلاء سيتفرق الباقي .. !!


هذه هي حياتنا اليوم .. لست من أهل القاع ولا من أهل يوتوبيا .. أن من الطبقة الوسطى المستريحة نوعاً .. لكن لي القدرة أن ارتبط بأهل النقيضين .. أحياناً أتصور أن مشاهد الرواية هي نقل صاد لكثير من الواقع .. حتى ملاظة المؤلف أن اهتمامات كلا النقيضين واحدة ولو لأسباب مختلفة .. كلاهما يبجل : الجنس والمخدر والدين !! تفرق فقط الأسباب .. في القمة يتعاطون المخدر ليفروا من الملل .. ويحترفون الدين خشية أن يضيع ما لهم في لحظة كنوع من طوق النجاة .. في القاع يتعاطون المخدر ليسنوا عذاب اللحظة .. ويحترفون الدين أملاً في أن لمعاناتهم في الدنيا ثمن من ربهم ولو في الآخرة .. !! حتى الأماكن كانت قريبة من حياتنا .. يوتوبيا الصياد في الساحل الشمالي .. وقاع الفريسة في شبرا !!


رواية متميزة .. مازال السرد القصصي المشوق والبسيط دون تعقيد .. والتجليات الدرويشية الأدبية التي يتميز بها د. خالد متواجدة .. ربما يستغرب الأمر في رواية لكن الأمر فعلاً مثمر .. أنصحكم بقراءتها ..



Facebook Comments

Design by Blogger Buster | Distributed by Blogging Tips