Gangs of New York: أمريكا وليدة الشوارع  

October 03, 2008

Gangs of New York - 2000

Director : Martin Scorsese

Writer : Jay Cocks Steven Zaillian Kenneth Lonergan

Starring : Leonardo DiCaprio Daniel Day-Lewis Cameron Diaz Jim Broadbent John C. Reilly

Music : Howard Shore

Cinematography : Michael Ballhaus

Tagline : America Was Born In The Streets.


وتماشياً مع المصائب المتوالية على أمريكا ..أمريكـا ولدت في الشوارع ... هذا مايود أن يقوله فيلم عصابات نيورك رائعة مارتن سكورسيزي المتميز دائماً وأحد أفضل المخرجين وأقربهم إلى قلبي .. الفيلم -كعادة أفلام سكورسيزي- يكشف عن المسكوت عنه في التاريخ الأمريكي.. لحظات قبيحة، وصفحات مظلمة تكشف جوانب بعض من المجتمع المدني الأمريكي؛ حيث يظهر من خلاله ما يكشف عن العنف والفساد والخروج على القانون والتمييز العنصري وقيم غير مؤسساتية .. ولم يكن اختياره لتحفة هاربرت اسباري الأدبية (عصابات نيويورك) محض صدفة ، بل لأنها امتلكت ما يريده سكورسيزي بالضبط .. عرض ذكي ومتوازن لبداية حضارة .. تعرجات واضحة على قضايا مازالت مثارة بعد قرن ونصف من الفترة التي تناولها الفيلم .. وفي المقدمة تبدو قصة درامية لاهثة بخلفيات نفسية عميقة لأبطالها ..

بدأ الفيلم عام 1846 في صراع بين المهاجرين والسكان المحليون من أجل السيطرة على مقاليد تلك المدينة المهيبة .. انتصار السكان المحليون يتحدد فعلياً لدى سقوط زعيم المهاجرين القس فالون على يد بيل الجزار قائد المحليون ويقوم بدروه دانيل داي لويس .. المشهد المهيب والمنفذ بإحكام إخراجي وتقني مبهر ينتهي بقرار بيل إرسال ابن القائد فالون إلى المسئولين لينال تعليماً جيداً ، بعد 16 عشر عاماً يخرج الفتى أمستردام فالون - ليوناردو دي كابريو - من الإصلاحية بعد محاولته الهرب عدة مرات ، الفتى الصغير سناً المحمل بأثقال كثيرة يخرج مقرراً شيء واحد وهو الانتقام من بيل .. هذا الانتقام لا يوازيه إيماناً واقتناعاً وفهماً لجدوى الفعل بل يصاحبه رؤية مشوشة للفتى الصغير ، فيعود إلى منطقة النقاط الخمس بهاجسه الانتقامي ، ليخرج سكورسيزي بعد ذلك من تلك الدائرة التقليدية ليتناول بثقل وخبرة إخراجية تلك العلاقة الناشئة بين المُنتقم والمُنتقم منه ولكن الشيء الأهم هو تناوله الفلسفي الهادئ العميق لتلك الحضارة وأُسسها ..

وفي تخطيط الفتى للانتقام تظهر العلاقة المتشعبة بينه وبين بيل الجزار .. فينضم لعصابته تمهيداً لتنفيذ مخططه . بل يصل المدى إلى بذل الدم لإنقاذ حياته !! لنرى في أحد مشاهد المكاشفة بين بيل الجزار وأمستردام .. الحقيقة القائم عليها شخصية بيل الجزار .. فالجزار في النهاية ومن قبلها البداية هو إنســان !! بيل الجزار .. المؤمن بأمريكا بدرجة جنونية .. الذي وجد نفسه من البداية مسئولاً عن المحليين خلفاً لأبيه الذي توفى دفاعاً عن نفس الأرض .. هو واحد من هؤلاء الذين اكتسبوا منطقهم وطريقهم في الحياة من خلال الواقع الدموي المرتعش المحيط بهم .. هو يعلم رغم عدم ارتياحه .. أن إلقاء نظره بعينه الوحيدة السليمة بعيداً لثانية واحدة فقط كافٍ جداً لقتله وهذا الخوف المتجسد على مدار السنوات يجعل طبيعته هي تلك الطبيعة القاسية التي لا يستطيع أن ينسلخ عنها .. والخوف الموجود داخله يعوضه بخوف آخر يراه في عيون جميع من حوله ..

يجد كلا البطلين شيئاً في الآخر .. ذلك الرجل الذي لم يستقر طوال حياته الممتدة لسبعة وأربعون عاماً شعر في هذا الفتى ببعض الأمان والاستقرار .. وذلك الفتى الذي لم يستقر ولم يجد المرفأ طوال ستة عشر عاماً يجد في ذلك الرجل بعض الأمان والاستقرار الذي يَشعُرَهُ لأول مرة ، بل وأيضاً يجد فيه الأب الذي يتعلم منه .. لكن سكورسيزي يعلم أن علاقة مثل تلك ما كانت لتستمر لو كانت مشاعرها واضحة .. لا يمكن للرجل الذي عاش طوال حياته في مثل هذه البيئة أن يترك مشاعر الأبوة بداخله تتحرك نحو هذا الفتى الذي لا يعرفه بشكل واضح ، ولا يمكن لهذا الفتى الذي عاد من أجل الانتقام لمقتل أبيه - حتى ولو بأفكار مشوشة - أن يترك مشاعره اتجاه الرجل الذي يريد الانتقام منه تبدو واضحة بالنسبة له !!

بعد محاولة اغتيال أمستردام لبيل والتي فشلت وانتهت بحرق على وجه أمستردام وطرده من البلدة وعدم بقاء أحد بجانبه عدا جيني النشالة الجميلة - كاميرون دياز والتي اقحم دورها في الفيلم إقحاماً في رأيي السقطة الوحيدة في الفيلم !! - ، بعد تلك المحاولة تم بشكل واضح الدمج بين الخط الرئيسي للفيلم - المتمثل في الانتقام - والخط الخلفي - رؤية وفلسفة سكورسيزي نحو أمريكا - ، تصبح طموحات أمستردام ليس فقط قتل بيل ولكن توحيد الأيرلنديين وإعادة حقوقهم المهدرة سواء عن طريق السياسة أو طريق العصابات ، وعلى مدار الفترة الباقية يشكل سكورسيزي عمقاً إخراجياً متميزاً في تعبيره عن الهمجية والعنف الذين اجتاحا أمريكا حينذاك ..

في مشهد تهكمي يصور سكورسيزي سفينة كبيرة يغادرها عدد من المهاجرين الأيرلنديين، وعندما تطأ أقدامهم الميناء نجد طاولتين وراءهما موظفان حكوميان، يشير أحدهما إلى استمارة المواطنة التي لا يستطيع توقيعها إلا عند توقيع الاستمارة الثانية، وهي طلب التحاق بالجيش الأمريكي، وفي تحرك جميل ورشيق للكاميرا واستمرارا للمشهد دون قطع نرى نفس المهاجرين المغادرين توًّا السفينة التي أقلتهم من أيرلندا يرتدون الملابس العسكرية، ويحملون السلاح ليصعدوا سفينة أخرى تجاور الأولى، وهكذا أصبحوا مواطنين أمريكيين، ثم يعقبها سكورسيزي بصور فوتوغرافية لعدد هائل من الجثث من جيش الشمال الأمريكي، وكأنه يشير إلى مصير هؤلاء الأيرلنديين الذين لم تطأ أقدامهم أرض الميعاد، وفي المشهد نفسه نجد التوابيت المغطاة بعلم أمريكا تخرج من نفس السفينة التي تقل الأيرلنديين الحاصلين على المواطنة توًّا !!

مشهد النهاية والمعركة على وشك البدء بين الأرانب الميتة والسكان المحليون .. بين أمستردام وبيل الجزار .. من اجمل مشاهد الفيلم .. وفيه تتابع إخراجي مذهل يمثل الوجه القبيح لأمريكا في ثورة المهاجرين البسطاء على الحكومة ونظام التجنيد .. وعلى الطبقات الغنية وعلى الزنوج .. أمريكا في خلفية صراع العصابتين تكشر عن أنيابها .. وتعلن عن حقيقتها البشعة ..

الفيلم تميز في كل جوانبه في رأيي .. فمع النص المتقن واللافت للنظر لستيفان زيلان - في أعماله قائمة تشاندلر - وجاي كوك و كينيث لونجرجان والذي استطاع أن يعطي للفيلم الزخم المطلوب لأبطاله وأحداثه .. والتصوير الخلاق والرشيق لمايكل بالوس الذي جعلني أشعر وكأن الكامير هي عيني في أحداث عشتها بالفعل !! .. والتمثيل المبدع للرائع داينل داي لويس الذي جعل كل من انضم له في مشهد اضمحل مع جبروته العظيم وكيفية إتقانه الدور لحد إظهار البعد الفلسفي في بيل الجزار وكم المشاعر المعقدة الزاخر بها !! إلى إخراج الفيلم وهو أحد الإنتاجات المتميزة لواحد من أباطرة الفن السابع في هوليوود مارتن سكورسيزي .. وأن يسقط الفيلم حقيقة بدايات الحلم الأمريكي .. بكامل إسقاطاته على اللحظة الراهنة .. هذا ما تميز به دائماً سكورسيزي وسيبقى كذلك ..

Facebook Comments

Design by Blogger Buster | Distributed by Blogging Tips