بين ثقافة الاختلاف.. وحتمية التعايش  

June 26, 2011


مثلي مثل كثير من الشباب وأهل ربوع مصر.. لامست ثورة الخامس والعشرين من يناير شيء في دواخلنا، بعيداً عن ما مثلته من تأثير وتأثر في حياة كل منا على المستوى المادي والحياتي اليومي ومستقبل عيشنا ومعاشنا على أرض المحروسة.. شيء آخر في نفوسنا قد تغير .. شيء انطبع بأثر ذو قدسية وبملامح رومانسية على صفحات أرواحنا الراكدة.. شيء جعلنا – الكثير منا – نسترد القدرة على الحلم.. آنس وحشة زرعوها في قلب وطن.. وطمأن روحنا ألا نقلق، فالقادم أجمل وأكمل وأطيب وأثمر!! وأن كل منا أفضل مما صوره له هذا العالم.
لي ، كان الأمر الذي لم أعتده من قبل هو الحرية.. رغم انعدام صكوكها إلا أن روحي ذاتها كانت مقيدة بقيود العبودية الفجة.. ومع روحي سلسلت كلماتي، وتعلمت أن أضع بيدي مقص الرقابة على لساني !! وأن أخرس كل ما يخالف الجريان العام لمسار الكلام.. رفضت ذلك، تمردت ، قاتلت لحقي في أن أقول وأكتب ما به آمنت. لذا ترون أن الثورة كانت لي ولغيري ضوء في آخر النفق أن الحرية جاءت لتبقى.
لكن ، ويا لها من شقية ماجنة تلك الكلمة حينما تعترض مسار الأحلام. لكن جاءت الثورة لتترك المصريين في خلافات غريبة وجدليات مصطنعة وصراعات وتناحرات فجة !! حقيقة صرت أخشى على المصريين من أنفسهم !! الكل سارع لاغتصاب الحرية الوليدة !! لهتك عرض فطرتها وبساطتها !! لشهرها سلاحاً قذراً لتحقيق صالح أو إعمال طالح !! لا أرفض الاختلاف فنحن هنا في وقته ومقامه الصحيح.. فالثورة جاءت تذكرنا أننا لسنا قطيع يساق ويراد له ما يراد ويحكم نظرته لنفسه أنه جعلوه فانجعل ، لا ، ذكرتنا الثورة أن من حقنا أن نقول ونريد ونرغب ونعمل من أجل ما نرغب .. ذكرتنا أن نستقوي بعصبة وأن نتفاخر بانتماء وأن ندعو لفكر وأن ننشد حلم.. وما دام الناس مجبولون على الاختلاف بين الطبائع والأفكار ، مستندون على المتباين من الخلفيات والإيمانات ، فإن استغراب الاختلاف بين الناس هو عته وتخلف !! وجنون ورفض للطبيعة البشرية نفسها.
فقط أرى أننا نفتقد لشيء هام وحيوي ، ثقافة الاختلاف .. لا ليست ثقافة الحوار .. فالاختلاف الحاصل بين الفرق والمشارب والأيدلوجيات والاحزاب والتوجهات يجعل من كل طرف مالك لاقتناع رباني بالصواب المطلق !! وأن نخدع أنفسنا أنه من الممكن أن يتم الحوار بهذا الشكل هو محض خيال مريض. كل ما نحتاجه هذه اللحظة هو أمرين : ثقافة للاختلاف ، وإيمان صادق أنه يمكننا التعايش جميعا على ذات الأرض بشكل جماعي وتكافلي يقدم صالح إتمام وضمان هذا الأمر على غيره من أهداف .. فضمان ذلك هو ضمان وجود واستمرار هذا الاختلاف الطبيعي وهذا التباين البشري في الطبائع والأفكار والسياسات والانتماءات !!!
مؤخراً يسود اللغط حول خيارين وكأن مصر لا تقوم بغيرهما : الدستور أولا أم الانتخابات أولا ؟؟ الخلاف وارد لكن ثقافته انعدمت بين طرفيه !! فانصار الأول وبغض الطرف عما لديهم من مبررات وحجج كالوا الاتهامات والتعميمات على مخالفيهم أنهم متأسلمين رجعيين يساندون قوى التيار الإسلامي ويعادون الليبرالية ويودون سرقة تمثيل الشعب في لحظة ضعفه!! وأنصار الثاني تركوا ما لديهم من حجج وأسانيد وذرائع لضرورة مطلبهم ليترصدوا لمخالفيهم أنهم محض أصحاب دعاوي عفنة خربة فاسدة ملتفين على إرادة الشعب ولا يفقهون القانون وأحكامه أوعلمانيين يودون تغيير كلام الله!! نسوا جميعاً أن يحترموا اختلافهم. وأن يتعايشوا معه ويتعلموا منه وأن يتوقفوا عن التعميم والإقصاء والتخوين والتسفيه من الآخر ويعترفوا بأن إنكار وجود الآخر لا يعني ذلك !! نسوا جميعاً أنه قبل الحديث عما إذا كان الدستور أولا أم الانتخابات أولا هو مضمار الكلام فيسبقه ويغلبه أن مصــر تأتي أولا وأخيراً وقبل كل شيء !! وأنه من أجل ذلك يجب أن نقبل بالاختلاف.. وأنه من الممكن أن يكون على وجه البسيطة شخص يخالفك رأيك ولا يتفق معك ، وأن ذلك ليس معناه نهاية الدنيا ، ولا أنه إما أن يرضخ ويقبل وينضم لركبك أو لا يستحق الخياة نفسها!!
فقط إن تعلمنا ثقافة الاختلاف وتركنا إدماننا للخلاف، وإن أدركنا حق الجميع ، لا أنفسنا فقط في التعبير ، عن آرائهم دون تجاوز أو اسفاف أو تحريض ، وقدرتنا مهما كان مقدار الاختلاف وكيفيته أن نتعايش معاً وأن نستثمر في اختلافنا وبه وأن نبني مصـر كما كانت دائماً وأبداً لوحة جدارية من الفسيفساء الملونة تسر الناظرين ، رغم اختلاف أحجام وأطراف وألوان مكوناتها.. رغم اختلافنا نحن ، فرغم حقيقة الاختلاف تبقى حقيقة الموجودات وجمالها إن أردنا لها ذلك.

Facebook Comments

Design by Blogger Buster | Distributed by Blogging Tips