الطغاة الأبطال  

August 22, 2011



الطغاة الأربعة.. لأين رحلت تلك الضحكات؟
  اليوم يوم فرحٍ وحبور.. انتصرت ثورة ليبيا أو أوشكت.. نهاية كابوس طويل استمر أكثر من 42 عاماً من الظلم والطغيان و الديكتاتورية. الحديث عما فعله أحفاد المختار من ثورة مباركة وجهاد مقدس في سبيل الحرية والمستقبل، إلا أنني اليوم أود أن أتحدث عن مفارقة عجيبة تستحق التأمل والتوقف طويلاً لاستيعاب الدلالات وفهم المآلات. مفارقة وجدتها من تأملي لحال طغاة الربيع العربي كيف بدأو ولأي حال انتهوا...


علي زين العابدين:
كيف كان : الطالب الذي طرد من مدرسته الثانوية لانضمامه لصفوف المقاومة الوطنية ضد الحكم الفرنسي.. رجل تطلعات الشعب الأول مع نهاية حقبة بورقيبة الكارثية اقتصادياً واجتماعياً على الدولة.. المساهم الرئيس في انفتاح الدولة فكرياً وثقافياً واقتصادياً على العالم الغربي.
كيف صار : ديكتاتور قمعي يمارس قمع أخطر من قمع الجسد وصار يقمع الأفكار والحريات المدنية والدينية بالتحديد! وصار هو وأسرته وأقرباؤه ناهبين لخيرات تونس وعصابة تحكمها.. لتقوم ثورة بشرارة بوعزيزي المباركة ليهرب للسعودية بعد أن حاول أن يقول متأخراً: "أنا فهمتكم"
محمد حسني مبارك:
كيف كان : رجل عسكري شارك في حروب الدولة المصرية ويدعى لحفظ دوره بصاحب الضربة الجوية الأولى على الكيان الصهيوني عام 1973 – أشكك في دوره من الأساس – .
كيف صار: طاغية بشع ساهم على مدى حكم امتد لثلاثين عام في قتل مصر نفسها ببطء بشع ونهب موارد الدولة وتحول من محارب للكيان الصهيوني إلى أكبر عميل لها لدرجة بكائهم على ما وصل إليه من حال اليوم ، الحال الذي لا يصفه كما يصف كونه رئيس مخلوع يقف خلف قفص الاتهام لا يجد ما يداغع به عن نفسه على الأقل أمام محكمة الرأي العام ، إلا اللعب في منخريه والأخذ بعزة الإثم.
علي عبدالله صالح :
كيف كان : رجل الوحدة اليمنية ومعيد إحيائها. قوبل بالزغاريد والأزهار مع زيارته الفريدة للشطر الجنوبي وساهم في تحقيق مسارات الاندماج والتوحد بين شطري البلاد ، وتم انتخابه رئيساً للجمهورية الموحدة عام 1990
كيف صار : مهزلة قادها في رفضه لمطالب شعبه الأبي الرائع صاحب واحدة من أرقى الثورات الحضارية في التاريخ البشري وإن لم يرى الناس هذا الأمر حالاً. ليدك شعبه ويخطأ في إشعال فتيل غضب مشايخ بني الأحمر فيقصف بالصواريخ ويصاب بشدة ليبقى كلاجئ متلقياً للعلاج في الأراضي السعودية.
معمر القذافي :
كيف كان : قائد ثورة الفاتح ومنهي الحكم الملكي لأسرة السنوسي بليبيا في إنقلابه الأبيض الشهير.. رجل التوجهات الوحدوية وحامي حمى القومية العربية ورجل إفريقيا الأول.
كيف صار : ديكتاتور كاريكاتوري يتصف بجنون مطبق وهلاوس عقلية عجائبية!! وطاغية يقتل شعبه ويحول بلاده إلى جهنم هذا المولد في جهنم – قرية ميلاده تدعى جهنم !! – ليصير كالفأر الهارب الذي ينتظر نهايته ضرباً بالأحذية بين لحظة وأخرى وأضحوكة العالم الملطخة يديه بدماء الآلاف من الكرام أولاد بلده.

حسناً.. ما لفت نظري هو أن هؤلاء الطغاة الأربعة.. بدأوا كأبطال بشكل أو بآخر في أعين شعوبهم.. حقيقة هم شاركوا بطريقة أو بأخرى في صناعة تاريخ دولهم الحديث في صفحاته المشرقة.. إلا أنهم تحولوا بطريقة عجائبية إلى طغاة مدمرين يسطرون بأيديهم تهاوي تاريخهم إلى صفحات التاريخ المدنسة بالفضائح والرزائل والعار.. كان يمكنهم أن يعيشوا أبد الآبدين وإلى يوم الدين بأسماء تنقش من ذهب في كتب التاريخ وذاكرة الحضارات.. إلا أن الأمر لم يرق لهم على ما يبدوا.. وقرروا ان يمارسوا ظلمهم واستبدادهم، وأن يحتفظوا بالسلطة والكراسي أسفل مؤخراتهم المكتنزة بما أكلوا من قوت شعوبهم بأي طريقة ممكنة..

إذاً هو الكرسي.. هات لي كرسي حكم وشعب غافل واقعد عليه غاندي نفسه وستصيبه شهوة الحكم عاجلاً أو آجلاً.. هؤلاء الملعونين على لسان أجيال وأجيال لم يكونوا هم السبب في ما أصابنا من نار الطغاة.. نحن السبب.. نحن من صنعنا بطولتهم ابتداءاً.. ثم حولناهم لطغاة بأيدينا وبئس ما صنعنا.. نحن من أريناهم أن هذا ممكن.. وأننا في حقوقنا زاهدون ولاغتصاب مستقبلنا غير ممانعون.. نحن من رضينا بالذل والمهانة.. مادام يحصل لآخرين فلا مشكلة.. حتى صار يحدث لنا ولم نستطع أن نمنعه عنا وعن أبنائنا..

الثورات تحمل دائماً بذرة خبيثة للقضاء عليها ولنبتة الطغيان والاستبداد.. والضامن الوحيد لبقاء الحرية واستمرارها هو نحن.. هو أن نتفق اليوم أننا كلنا باختلافاتنا وأقلياتنا وأغلبيتنا وتضارب مشاربنا وتباين أهوائنا وأفكارنا وانتماءاتنا.. أننا بكل هذا وأكثر.. نستحق الأفضل.. ونستحق أن نحيا معاً نحكم نفسنا بأنفسنا ونراقبها ونسائلها ونحاسبها.. لا ننتظر قائد ملهم.. ولا فارس مغوار.. نحن ما نستحق.. لنكن أفضل..

Facebook Comments

Design by Blogger Buster | Distributed by Blogging Tips