بأعين الموت.. نرى الحياة Hereafter  

August 24, 2011



بعض الأفلام ترتفع بحالتك الروحية لحدود جميلة، lifting up your spirit كما يقال.. هي أفلام لا تدفعك للتفكير المتعمق والمتفلسف، لا تقوم بغربلت مشاعرك وزلزلتها من كيانها، لا تغير من تأملاتك وقبولك لمفاهيم الحياة.. هي فقط ترتفع بحالتك هذه لحدود جميلة.. تشعرك مجدداً أنك إنسان.. لا كائن بشري حي –حالتك الاعتيادية كواحد من مليارات أشكال الحياة الاعتيادية على هذا الكوكب.. شعور جميل أن تشعر بإنسانيتك.. هذا الفيلم، Hereafter ، أصابني بهذه الحالة.. والمشكلة الغير مهمة بالنسبة لي، هي أني لا أدري لم أصابني بهذه الحالة من الشعور بالحياة، بينما هو فيلم يتكلم بشكل أو بآخر عن الموت!!


الفيلم للمخرج الهائل – إن جاز الوصف – كلينت إيستوود (Clint Eastwood) ، والفيلم من بطولة المخرج حقيقة الأمر.. لا لم يشارك العظيم إيستوود في التمثيل في الفيلم ، لكن إخراجه للقصة البسيطة وتمكنه من إصابتك بهذه الحالة الجميلة التي لا توصف ، وإتقانه لربط الأحداث وكما يراها هو بأعين أصحابها ، وإجادته لتمثيل الحالة الشعورية دون وجود مادي في الفيلم، حتى موسيقى الفيلم والتي فوجئت أنها من صنع إيستوود نفسه!! لا تأسرك بوجودها وإنما تستشعر حضورها الجميل والبسيط في لمحات خافتة لكن ضاربة على أوتار المشاعر موقظةً لها.. كل هذا يجعلك تدرك أن الفيلم ، وليس هو الأروع للرجل ، حالة فريدة تستحق المشاهدة.




يبدأ الفيلم بنقل بسيط ، لكن مزلزل وجامع ، لأحداث تسونامي المرعب الذي ضرب الأرخبيل الأندونيسي.. تضربنا الأمواج العاتية ونحن حاضرين للمشهد بصورة الحسناء الفرنسية ماري (Cécile De France) ونشهد معايشتها لتجربة مثيرة للاقتراب من حافة الموت ، موضوع الفيلم ، ونجاتها منه.. الحدث الذي يقلب حياة الإعلامية الناجحة رأساً على عقب ويجعلها مهوسة بفكرة ما رأته من رؤيا. وننتقل بعدها لبطل الفيلم الآخر جورج (Matt Damon) وهو وسيط روحي لديه موهبة التواصل مع ساكني الطرف الآخر للحياة، وهو يمارس ما يسميه بالقراءة لأحد الأرواح لصالح رجل فقد زوجته ، جورج تخلى عن عمله السابق كوسيط روحي لأنه ببساطة كما قال لأخيه من الصعب أن تحيا حياة طبيعية والموت هو لقمة عيشك.. ومن ثم ننتقل للطرف الثالث ، والبطل الحقيقي بعد إيستوود للفيلم ، الصبي ماركوس هو وأخيه التوأم جاس (التوأم في الحقيقة أيضاً الرائعان George & Frankie McLaren).. لنعايش فقده لأخيه جاس في حادث أليم وهو ما يقلب أيضاً حياة الصبي الهادئ رأساً على عقب.. – ملاحظة صغيرة: تمثيل هذا التوأم وغيرهم من النجوم الصغار في السينما الغربية، يجعلني أشعر بالغثيان لدى تذكر كل من نطلق عليهم الأطفال المعجزة في السينما العربية بأدائهم الكارتوني والمبالغ فيه وفي تقديره!! -

هنا تتجلى حيل إيستوود الجميلة حينما ينجح في لقطة قصيرة في وقتها كبيرة في فعلها في نقل الاختلاف بين التوأمين وطباعهما وهما يتموضعان لصورة لدى أستوديو الحي .. ومن ثم ننتقل لمنزلهما البسيط ونرى كيف يتحايلان على مسؤوليي الخدمة الاجتماعية حتى لا يتم انتزاعهما من والدتهما المدمنة على المخدر والشراب..بشكل ما، ولا أود ان أفسد عليك متعة المشاهدة في عرض باقي الأحداث، تترابط بطريقة ذكية وخفية وخفيفة على المشاهد مسارات الأبطال الثلاثة ، يقود هذه المسارات البطل إيستوود من خلف الكاميرا.. ويجعل من ارتباط الأبطال الثلاث بمفهوم الموت : جورج الوسيط الروحي الذي تطارده موهبته كنقمة لا نعمة ، وماري المفتونة برؤيتها حينما اقتربت من الموت ، و ماركوس المفتقد لأخيه والمهوس بفكرة فقدانه وافتقاده والذي يحاول أن يتواصل مع أخيه المتوفي.. يجعل إيستوود هذا الارتباط شيء رائع الجمال .. ويجعلنا ومن مفردات عن الموت وتصوراته لدينا ، نفكر وبعمق في جمال الحياة..


حقيقة أنا سوداوي المزاج.. أفكر كثيراً في الموت.. أحياناً كثيرة كتذكرة للهروب من هذا الواقع المرير.. تذكرة غالية الثمن بفعل ما ترى أنك ستفقده.. الفيلم يجبرك على الابتسام حبينما ترى أن من الموت توجد الحياة.. وبفعل الموت الذي يجمع أبطال الفيلم.. نشعر بنبض حياتهم يورد عروقهم مجدداً بإنسانية يانعة لها عبير جميل.. نعم لا زلت بتفكيري السوداوي عن الموت.. وبعيداً عن الدين وما نجبل عليه من إيمان مطلق بأن الموت هو بداية حياة أخرى.. نرى في الموت قد يكون لبعض الأشخاص.. في وقت ما.. بداية للحياة.. في هذه الحياة.. لا في طرفها الأغر..

Hereafter 2010

Directed by: Clint Eastwood

Written by: Peter Morgan
Cinematography: Tom Stern
Music by: Clint Eastwood
Starring: Matt Damon, Cécile de France, George & Frankie McLaren
Taglines: Touched by death. Changed by life.




Facebook Comments

Design by Blogger Buster | Distributed by Blogging Tips