ما بعد الانتخابات المصرية.. التعايش مع النتائج  

December 10, 2011



الكل يتابع الانتخابات البرلمانية المصرية وهي شغله الشاغل وحديث الساعة الطاغي.. لا بأس.. بالنسبة لي هذا جزء من نجاح اللحظة ومن رصيدها لا عليها.. فقط يزعجني وبشدة ان يكون الأمر كمتابعة مبارة كروية بين أهلي أو زمالك!! الكل يتابع بمنطق عبثي للغاية إن كنا ننظر لصالح العموم ومستقبل الوطن؛ هذا المنطق هو أن فريقي يستحق الفوز وهو الجدر به! وفريق الخصم ومشجعيه محض حمقى وأغبياء لا يعون عن الكرة وعالمها شيء!!


التشجيع الأعمى من هذا الأساس يجعلنا نسير في اتجاه أحادي لقبول نتائج المبارة / الانتخابات، وهو التصفيق والاحتفال بالنصر المطعم بابتسامة شيطانية واسعة ومتشفية في الخاسرين، يتبع ذلك إعلان قدسي بأني كنت على صواب وأعي ما أفعل وانتم محض حمقى "مالكمش فيها بجنيه!!" أو رفض النتيحة إن خسر فريقنا والتدرج في مراحل الانهزامية من إعلان الصمت المغلول بالحقد والحسد مع تبييت النية على عدم المساندة وتصيد الاخطاء وتكسير الهمم، مروراً برفض النتيجة ووسمها بعدم العدالة والانحياز وبالتالي الغرق في نظريات المؤامرة وأنه الإعلام / الحكام / ضعف الإمكانات والاستعدادات / أرضية الملعب.. وغير ذلك من شماعات جاهزة.. وحتى إعلان الانفصال وأنه كلنا شمشون وعليا وعلى أعدائي و "إياكش تولع يا فيها لأخفيها!!"
هذا ما يخيفني في عقليتنا المصرية في التعامل مع مرحلة الانتخابات أو التعاطي بشكل عام مع فكرة الديمقراطية أو ، الأهم ، مفهوم وثقافة الاختلاف.. لا يهمني كثيراً شكل الأغلبية القادمة في البرلمان ومدى تمثيلها للشعب ومن سيشكل الحكومة ومستوى الصلاحيات وطبيعة مفاهيم حماية حقوق الأقليات وفاعلية المعارضة وغير ذلك. ما يهمني بشكل يشغل التفكير هو قدرتنا على هضم النتائج والاستفادة منها بشكل إيجابي.
فما لا يهمني هو كذلك لأنه ببساطة أمر متغير ومرحلي يختلف باختلاف أطراف المعادلة والفاعلين فيها واللاعبين في اللعبة وظروف ومناخ المرحلة وعوامل التأثير والتأثر، كلها كما أراها مهما بلغ حجمها ومهما كان قدر تأثيرها هي متغيرات يمكن أن تتغير وبالتالي تتغير النتائج مثلما تتغير الوجوه والأشكال والقناعات والتحالفات والسياسات.
وما يهمني هو كذلك لأنه ببساطة الثابت الوحيد في أي اختلاف! مهما تعدد الخصوم ومهما اختلفت الملابسات والمتغيرات هناك دائماً في أي استحقاق تنافسي رابح و خاسر – مع تحفظي لإطلاق الخسارة على هذه الجزئية – ودائما ما ستبقى الأهمية لشكل التعامل بين الطرفين بعد لا قبل ولا أثناء التنافس.. فالانتخابات ليست غاية في حد ذاتها وإنما وسيلة لتحديد شكل من أشكال السلطة والممارسة، بالتالي أنا أهتم فيما سيبقى بعد كنس الشوارع من المنشورات الدعائية ورفع الصناديق لتشوينها في المخازن حتى إشعار آخر..كيف سنتعامل رغم الاختلاف وعدم التوافق مع بعضنا البعض؟
          هناك قيود وتعهدات ذاتية يضعها كل طرف على نفسه ولا يمكن إجباره أو جبله عليها، فعلى المنتصر بتمثيل الأغلبية أن يعي حجم الاختلاف ومدى الفوارق وبالتالي عليه أن يقبل مسؤولية رعاية حقوق الأقلية ومن خالفه، وأن يعي أن الاختلاف في أساسه وأصله طبيعي ومقبول بل ومطلوب في مجتمع كمجتمعنا، وأن توفير الطمأنينة وإحساس الأمان لهؤلاء سيوفر له البيئة الأكثر ملاءمة لتحقيق الصالح العام وهو بالمناسبة ليس صالح الأغلبية فقط!! وعلى من لم يحقق الأغلبية أن يحترم النتيجة ويعي بعقلانية ومنطقية أن حجمه المرحلي وما يمثله لا يمثل السواد الأعظم ممن لم يؤازره، وبالتالي فإنه وبدلا من التجهيل والتجريح والرفض لخيار الأغلبية عليه أن يتكيف معه وأن يشاركهم الصالح العام لأن هذا بالأساس هو أكبر سلاح له لحماية مصالحه وحقوقه كأقلية (الأقلية هنا ليست إثنية أو عرقية وإنما أيديولوجية أو سياسية) وأن القصور به إن ظن مخطئاً أنه الصائب وأن الشارع من ورائه مكبراً مناصرا لتوجهاته.. على الطرفين أن يعيا أن اختلاف ألوان مكونات المجتمع أمر يعطي للوحة رونقها وجمالياتها المتفردة، وأن قبولنا لبعضنا البعض رغم الاختلاف هو أساس الرقي والتميز..

Facebook Comments

Design by Blogger Buster | Distributed by Blogging Tips