يوميات بائس  

December 11, 2011


القصة التالية كتبتها على وقع ما جرى للاجئين السودانيين في ميدان جامع مصطفى محمود.. ربما لاقتراب الذكرى فالكارثة قد صارت في الأيام الأخيرة للعام.. ربما لأن وزير الداخلية المصري الجديد متهم بالمسؤولية الأمنية عن هذه الواقعة.. ربما لتشابه هذه اليوميات بدرجة أو أخرى مع يوميات من اعتصموا يوماً في التحرير.. ربما.. لكن عموما أعيد نشرها هنا كي لا ننسى.. لم يعد هناك من شعور أحمق ساذج بالغل والانتقام لكن هنالك هذا الشعور بمأساة اللجوء وهول مصاب من لا وطن لهم ولا صوت ينطق عنهم..

يوميات بائس..



أهلا ، أدعى هنري ، لا أدري كيف أصف نفسي أو من أين أتيت ، فلم أعد أمام العالم إلا مجرد رقم في سجلات تلك المدعوة بالمفوضية السامية لشؤون الغلابة أو اللاجئين ، كنت في السابق سوداني من الجنوب ، كنت أفخر بذلك ولازلت ، أو هكذا أحسب ، سأحكي لكم حكاية آخر ثلاثة أشهر في حياتي ، لما أحكي لكم ؟ لا أعرف ربما لأسري عن نفسي ، أو لأترك لكم العبر . هذه هي دفاتر يومياتي أتركها لكم فقلبوها كيفما شئتم ، فقد قلبتني الأقدار كتلك الوريقات ولكم أن تبصروا ماتريدون .

...............
أنا سعيد اليوم سنتحرك ، اتصل بي ابو عبيدة وأبلغني ان جماعة اللاجئين قررت بدأ اعتصام أمام المفوضية حتى يتم حل طلباتنا ، أخيرا أستطيع أن أشعر بتحرك ، حتى لو كان من ناحيتنا ، مرت علي بالقاهرة سبع سنوات وانا أغدو وأروح للمفوضية لأحصل على حق الهجرة ، لم أعد أحتمل ، احمل شهادة في الأدب الإنجليزي وأعمل هنا بائعا متجولا ، فليس لي حق العمل هنا ، وأنا في حاجة لما أعول به من أعول ، فليست أسرتي وحدي وأطفالي الست وهم أيتام أمهم غيبها المرض عنهم ، فمعي أختي وأطفالها وأمي أيضا ، ليس لدينا ما نخسره ، فصاحب العقار يهدد بطردنا لتأخري في الدفع مع قطع المفوضية إعاناتها – أو صدقاتها – الشهرية عنا ، سأذهب مع أهلي وجماعتي لنطالب بتحضر بحقوقنا المسلوبة ،،

...............
غريب أمرنا نحن السودانيون ، نعشق التنظير والتنظيم ولو من دون هدف ، لكني هذه المرة مع هذا الأمر ، ظهر للاعتصام قيادات ، ووزعت المسؤوليات على الجميع ، فهناك من هو مسؤول عن التفاوض مع المفوضية ، وهناك المسؤول عن الطعام ، والمسؤول عن العلاقات العامة !! عن نفسي لم يكن لي دور محدد لكني حرصت أن أكون في كل ماله اتصال بالعالم الخارجي ، فأصبحت متعاونا مع أصحاب الإعلام أترجم لهم ماأرادوا . عامة أعجبني الأمر ، فقد حرصنا أن لانثير الشغب مهما حصل ، فلا ذنب لسكان المحروسة فيما نعاني ، اليوم هو الثالث في الاعتصام ، لاجديد ، تحت أنظر رجالات الأمن المصريين صنعنا مجتمعنا وصرنا به نحيا ، أغلبنا أطفال ونساء ، والعنصر الكاسح على الجميع هو المرض والحزن والهم ، هذه الظهيرة رأيت مجموعة من الأطفال يلعبون معا والضحكات تملأ أعينهم ، لم تتغير حياتهم كثيرا ، هذا أفضل حتى ينشغلوا بالأمر ،،

...............
"هنري تشرب سيجارة؟؟" هكذا سألني مايكل واحد ممن عرفتهم في الحديقة ، "ياخي كيف تدخن والناس في صيام ؟ راعي الجماعة .." لقد حل علينا رمضان ، لم يختلف الوضع كثيرا عن قبله ، فمازلنا نأكل وجبة واحدة كل يوم ، نقدم فيها الأطفال والنساء وننتظر أدوارنا في صبر ، لقد طال الأمر ولا أرى له نهاية ، عشماوي وهو ممن يتفاوضون مع المفوضية أخبرني اليوم أنهم يرفضون كل مطالبنا ، سألته أن نرحل إذا ، "إلى أين ؟" صفعة من كلمتين تلقيتها على خدي ، أصاب عشماوي ، لامكان لنا ، لقد أصبح الموت هنا أكرم لنا من العودة إلى السودان بما يحمله من مجهول ، لماذا ياربي لانجد من يدافع عنا وينطق باسمنا ؟ مررت بجوار الجامع الكبير مرة ، وسمعت آية من القرآن تقول "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا" أعتقد أن الجواب هو نعم فقد صرنا هذه الأيام عبئا على الجميع يسارعون في التخلص منه ,,,

...............
عيد المسلمين جاء ، لاجديد في الحديقة ، سوى أن سيادة الباشا ماهر هذا النقيب الشاب قد جاءنا ببعض الهدايا الصغيرة للأطفال من ماله الخاص ، قدمها لي في الخفاء وأخبرني أنه سيجلب غدا المزيد ، ابتسمت له ، وشكرته ، على الرغم من حالي ، فمازلت أشعر بالشفقة على حال رجال الأمن الذين شاركونا اعتصامنا منذ بدايته ، أنا ومايكل وأبوعبيدة صار لنا منهم أصدقاء ، فلن أنسى صبحي عسكري الأمن المركزي الذي صار لي "فردة" وصديقا مقربا ، نشرب الشاي معا في الخفاء ، يعزمني على السجائر ، ويصنع المعجزات حينما يضحكنا – وقد نسينا تلك الأصوات من فترة – بنكاته الجميلة .

...............
"هنري أم محمود افتكرها الله " هكذا صرخ بي عشماوي ، لا أدري ما أصابني ساعتها من تبلد ، لا أدري هل أحزن لها أم أفرح ، على الأقل هي فازت بالخلاص من هذا الجحيم الذي نعيشه ، لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة كما أرى ، ودعنا من الجوع والمرض وضحية لقضيتنا أربع حتى الآن ، ومع من راح وصراخ الحزانى والمكلومين فيهم ، رقصنا طربا على صرخات أخرى ، ولد أربعة صغار ، فاقترنت الصرخات على أرض واحدة ، "غدا يرى كل الورى كيف تولد صرخة الميلاد من صمت القبور" هكذا وصف عشماوي الموقف بقول شاعر عربي يعشقه صاحبي ،،،

...............
"مالك ياعشماوي؟" لما هذا الوجه ؟ مش ناقصة" ، "تخيل ياهنري ، مشيت أصلي في الجامع ، وجيت أتوضأ رفضوا دخولي وغيري المسجد ؟" ،رغما عني ابتسمت ، فلا يدري المسكين أن الوضع هكذا منذ أسابيع ، والمضحك المبكي أن رفض القائمين على هذا المسجد لدخولنا لدورات مياهه أصبح معلما بسواد لوننا ، فأصاب كل صاحب بشرة سوداء ، حتى الموظف في السفارة السنغالية الذي ترك سيارته حينما حضرت الصلاة ليدخل المسجد فوجئ بالتنكيل به ؟؟ حكيت ذلك فدمعت عيناه وقال :" للدرجة ياهنري ؟؟ ذنبنا شنو في لونا ؟؟ ده بيت ألله حتى ؟؟ ياخي لو بيتوا خلوا عباده يدخلوا من غير العذاب ده ؟ ولو مابيتوا وبيتهم خليهم يقولوها ويريحونا ؟؟" قالها وانخرط في البكاء ، لم أجد وأنا مسيحي إلا أن أنخرط في بكاء حار معه ، فهذا مابقي لي لأقدمه على كل حال ،،،

...............
لا جديد تحت الشمس ، أصاب الناس يأس فيمن يستجدون بتقديم الحقوق من رجالات السياسة والمفوضية ، لكنهم لن ييأسوا من الدفاع عن قضيتهم ، اليوم بحثت عن صبحي عسكري الأمن المركزي فلم أجده ، وجاء النقيب الشاب يحدث بعض من عقلائنا فيم يفعله السفهاء منا ، نعم فكأي مجتمع  هناك من الفاسدين الكثير ، شباب لم يكتفي بأن يكون لقيطا بين الشعوب وضائعا بفعل الحرب وسياسة الساسة ، واختاروا أن يضيعوا أنفسهم أيضا ، يشربون الخمر الرخيصة لكي ينسوا ، ولن ينسوا ، حاولنا معهم ولو بالقمع ، لكن ما بأيدينا حيلة فقد وهنت أجسادنا عن متابعة الحياة فما بالك بهذا ؟ لا أدري أأشفق عليهم أم على حالي وحال عيالي ؟؟

...............
هناك فرح مفاجئ في حديقتنا ، وكونه غير متوقع فهذا لطبيعة الأحوال فقط ، فالسنة الميلادية الجديدة على الأبواب ، كنت فيما مضى أشعر بأن السعادة ليست ملكا لأحد ، ولاتشترى بمال ، فحتى نحن لنا الحق في أن نفرح ، الجميل أن الفرح كان يسود بين الجميع ، مسيحيين ومسلمين ، فحتى عيد الأضحى قارب على المجيء ، والكل يمني نفسه بأن يكون له في العام الجديد بيت يأويه ، وقبل البيت وطن يقبله ولا يلفظه كلقيط جاء صنيع الشيطان ، الكل شعر بالفرح حتى أنا الذي وطنت نفسي على نسيان الكلمة فما بالك بمعيشتها ؟ لكن قطع علي أحلام يقظتي قول مايكل" هناك شيء غريب يحدث" ، "لما هذه النبرة المقلقة يا مايكل؟ دع هؤلاء الغلابة يسعدوا باللحظة ؟" ،" هناك حشد من رجالات الأمن منذ ساعتين ، وأعدادهم تزيد مع مرور الوقت ؟؟" لاأدري لما لا أشاركه تخوفاته هذه ، لقد مرت ثلاث شهور طويلة بطول السنين علينا وعلى الأمن ولم يتعرضوا لنا بشيء غير عديمي الرحمة ممن لا يمثلوا جماعتهم بشيء ؟

...............
لا أدري لما أكتب اليوم ، فقد وقعت المأساة ،، حوصرنا ، وطلب منا المغادرة ، بالطبع رفضنا ، فوجئنا بمياه عربات الإطفاء تطيح بنا يمنة ويسرة ، بدأنا بالصراخ ، وأطلقت النساء الزغاريد لدعمنا في مانواجه ، ووقفنا بجموعنا ، الكل سجد وصلى ، وجدت نفسي وأنا أدعو المسيح أن يرحمنا أشارك المسلمين في دعائهم كما شاركوني ، فجأة دب صوت العويل وصراخ النساء ، لقد سقط بعض الأطفال صرعى بفعل المياه ، الأمر غير بعيد في هذا الشتاء القارص البرودة وبعد أسابيع في العراء ومع شح المطعم والدواء ،لكن يبدوا أنهم ماتوا من برودة القلوب وجمودها قبل برودة الأجواء ، فقد الأهل الثكلى في أطفالهم صوابهم فقاموا برشق قوات الأمن بكل ما طالته أيديهم ليردوهم ، وسمعت بنفسي الأوامر بالالتحام ، فكانت المجزرة بدء الضرب والسحل ، وكانت معركة محسومة أربعة آلاف جندي مكتمل الصحة ومدجج بالعتاد والعصي والهراوات الغليظة ، وجموع من اللاجئين المنهكين ،بالهم والضياع قبل أن يكونوا منهكين بفعل الظروف ، تساقطت الأجساد الهشة بين قتيل ومصاب ، وجررنا كما تجر الماشية نحو باصات لنقلنا إلى مجهول جديد ،  سقت كالنعجة نحو أحد العربات ، تحت سيل من الركلات والصفعات ، لم أشعر يوما بمثل هذه الإهانة ، أصبت في عيني اليمنى ، ومع سيل الدماء على وجهي صارت الدنيا ضبابية كمستقبلنا تماما ، ومن خلف الدماء لمحت أحد الجنود يجرجر في واحد من الغلابة ، دققت في وجهه ،  هو صبحي نفسه ، كانت عينه مليئة بالدموع ، أشفقت عليه ، هو مثلي لا يد له في حياته وتصرفاته ، يفعل ما يؤمر به ، جعلوه فانجعل مثلي تماما ،، لا أدري أي منا يبكي حاله أكثر ، شحنت كالبعير مع الباقي ممن نجى من المجزرة ، لا أدري هل أبكي على من مات أم على من بقى ؟؟ من مات راح وارتاح ، فماذا عنا نحن ؟ .....

...............

...............

...............

خاتمة :
لا ندري أين هنري ومن حكى عنهم ، هذا اختزال مخل بضخامة المشاعر قبل هول الأحداث ، لمجموعة أوراق حصلنا عليها ملقاة في معسكر تابع للأمن المصري كان به هؤلاء الغلابة ،، ولا تعليق لنا فيما قرأنا ،،،،

...............
ملاحظة من الكاتب : هذه الأحداث هي صياغة خيالية لوقائع مقابلات مع من نجى من "الغلابة" ، وأي تشابه في الأحداث والأسماء مع الواقع هو محض قدر لا صدفة ، لماذا لم نكتب ما سمعنا ؟؟ لأنه أقسى من أن نتحمله ، فكما خبرنا دائما كان الخيال ، على سواده ، أكثر إشراقا من واقعهم وما جرى لهم ، ربما في وقت لاحق ، حينما أخبر أن منا من يستحق أو يقدر على أن يعرف الحقيقة ، ربما ، أحكي لكم ما صار ،، ربما ،،


محمد الحسن سليمـــان – القاهرة
3 يناير 2006

Facebook Comments

Design by Blogger Buster | Distributed by Blogging Tips