خلوة الغلبان.. حينما يقص القصاص عن أحواله الشخصية  

January 11, 2012


خلوة الغلبان.. إبراهيم أصلان
إبراهيم أصلان.. ياله من قاص.. "خلوة الغلبان" نافذة حميمة للمحات اعتيادية لأصلان وعجائبية لنا.. إن كنت تبحث عن ترابط بين دفات الكتاب ومغازي لمشاهده وكوادره فلا ترهق نفسك بالبحث.. كلمة السر ها هي إبراهيم أصلان نفسه وبذاته العملاقة.. عن نفسي لم اتمتع من قبل بيوميات مثلما تمتعت مع "خلوة الغلبان" للعم أصلان وبجودة نقله لمشاهداته الخاصة والجمالية الذكية من حياته وأوراق يومياته..

اللغة كما عودنا عمنا واعتدنا من استاذنا.. سهلة رائق المزاج هينة الوطئة مثيرة للشجن والمشاعر الحميدة.. موقظة للأرواح البليدة.. فصحى لا تتفذلك وتتعالى عليك بما يرهقك ويجعلك ترثي على حالك كعربي لا تعي حرفاً من تراكيب ومتدرادفات كتبت بلغتك.. وعامية خفيفة رشيقة قاهري الوقع ليست بالغريبة أو المبتذلة وفي سياق ملائم لقصاص بارع.. خلقت لغة أصلان هنا نوع من المؤثرات السمعية والبصرية المصاحبة لنقل سينيمائي لا لمشاهد ومشاهدتا فقط.. وإنما لمشاعر وأحاسيس كانت قبل النقل الصائب حكراً لأصحابها فقط..

العم أصلان هنا يحكي لنا ما رأى وما شاهد - ورؤيا العين غير مشاهدة الروح - وما سمع وما شم وما تذوق!! هذه براعة أصلان المعهودة.. فقط استمتعت بصورة ربما يراها البعض مبالغة لأني شعرت بإنسانية الكتاب وقدرة القصاص على أن يجعلني أفكر مثلما فكر وأرى ما رأى وافطن لما فطن في لحظة ما كادت أن تكون منسية لولا النقل الأمين البليغ لها ولما رافقها من ملابسات..

"خلوة الغلبان" وإن كانت دفتر للأحوال الشخصية كما سماها وأرادها أن تكون أصلان في غير موضع.. فهي أيضاً أقرب لجوابات شكر واعتراف بالجميل لبعض شخوص حياته.. والشكر والعرفان بالجميل هنا جاء فريداً كصاحبه.. جاء كما يجب أن يكون.. جاء في إطار نقل حميمي لمغزى التأثر والجميل والدور الذي مثله صاحبه ليس في حياة أصلان فحسب.. وإنما في حياتنا جميعاً.. فمن أوردهم ومن شكرهم ومن جاء على ذكرهم هم أدباء وعلامات منيرة في المرحلة الحديثة (بعمر كاتبها لا مقارنة وربطاً بأعمارنا) للأدب الروائي والقصصي.. يحي حقي ونجيب محفوظ والبياتي والعقاد ومحمد حافظ رجب ويوسف إدريس ووو.. الرجل كان مبدعاً في دفعنا لأن نشعر تجاه هؤلاء بما شعر هو وما استحقوه من فضل وذكر وفق ما حكم هو به..

ليست قراءتي الأولى لعالم أصلان.. لكن ربما كان وقع رحيله عن عالمنا منذ أيام قليلة من الأثر أن يدفعنا دفعاً لأن أتذكر الرجل بحياته وأفكاره لا فقط عن طريق خياله ورواياته.. و "خلوة الغلبان" يقوم بهذا الأمر بشكل مرعب فيشعرك بأنك صرت مسافراً غير مرئي عبر الزمن يسوقك أصلان بذاته في رحلة حية تفاعلية عبر ذكرياته ويعلق عليها ويدلك بينيها كما قاد فيرجل دانتي عبر كوميديته الإلهية.. فقط هذه المرة نحن أمام قصاص من البراعة بما كان أن ينتج على الورق فيما ليس بكتاب سيرة فيلم كامل المعالم سريع الإيقاع جميل اللغة حلو المشاهد بليغ الرسالة عن حياته وما رأى..

Facebook Comments

Design by Blogger Buster | Distributed by Blogging Tips