ميتو.. مش ميدو - قصة قصيرة  

March 06, 2012



(1)
-        "ياحاج زي مابقولك كده كلها كام يوم بس استحملني شوية انت عارف الحالة ازاي اليومين دول!"
قالها متولي للحاج عادل تاجر المانيفاتورا وهو يرجوه أن يمهله أياماً قلائل كي يسد له ما يرجوه شحاذةً من قماشٍ لزوم شغله وما يريد أن يصنع.
-        "يا ميتو انت عارف انا بعزك وبعاملك زي صبياني تمام، بس انت عايز قماش بيجي تلتمييت جنيه وانت يادوب بتاكل اليوم بيومه! حاتسد ازاي يابني!"
-        "ياحاج الله يكرمك انت خيرك عالكل وانا جاي قاصدك! دي سبوبة مضمونة وده عزو! يا ألحق يا ملحقشي! أبوس إيدك يا حاج.. طب اكتبلك بيهم وصل؟؟ "
قالها متولي وقد بدأت شفتيه بالارتعاش.. متولي-أو ميتو كما ينادونه في الوكالة- لم يكن يخشى الرجوع خائباً من عند الحاج عادل أو أن يرده في طلبه.. فقط هو لم يعتد – رغم فقره وضيق حاله – أن يستجدي أحداً.


من صغره وقد اعتاد أن يعمل دون كلل، بالشيء الوحيد الذي يملكه في هذه الدنيا، بجسده.. اعتاد أن يكون (عفريت) كما ينادون عليهم في الوكالة مهمته أن يُؤمر فيطِيع، أن يحمل هذا أو يفرغ تلك العربة، أو أن ينظف هذا المخزن.. اعتاد أن يعمل لساعات طويلة فقط كي يلقى لقمة العيش. فقط للقمة العيش.. لم تكن آماله كثيرة أو كبيرة.. لم يذهب للمدرسةِ يوماً كي يحلم كما يحلم الصغار، بأن يكون شيء ما حينما يغدو رجلاً.. لم يشاهد التلفاز إلا لمماً عند مروره أمامه لدى من يملكونه.. لكي يرغب أي من مواد الإعلانات الكثيرة والتي يبتاعها (أولاد الناس) حينما يرغبون بها.. اجهدته الحياة حتى انضبت ماعون أحلامه.. فصار بما فرغ من زاد، حلم اليوم، والذي يليه، والذي يليه، والذي يليه ، وكل أيامه ولياليه.. فقط أن يأكل وألا ينام جائعاً!

-        "يابني انت عارف تلتمييت جنيه دول قد إيه!! دي يوميتك في ست شهور يااض!! يابني أعلام إيه بس وكلام فاضي إيه مين يابني حايشتري أعلام هو الناس فايقالك!!"
ولماذا لا يبيع الأعلام؟.. هكذا فكر متولي منذ أيام..كان يقضي مشواراً معتاداً للمعلم عبدالصبور من باب اللوق. حينما مر بالميدان.. اعتاد في الأشهر الأخيرة منظر الكثير من الناس الذين يجتمعون في الميدان كل جمعة وأحياناً في غير الجمعة، لكي يصرخوا ويهتفوا ويغنوا ويطالبوا بشيء ما ضد الحكومة.. صدقني لن تقدر على أن تجعل متولي وغيره الكثيرين يفرقون ما بين الحكومة والمجلس العسكري أو حتى أي أمين للشرطة.. كلهم من الناس"اللي فوق"..

هذا هو المسمى الوحيد لدى متولي لهؤلاء الأغيار.. غريب طبعاً أن يتم تصنيف مجموعة من البشر ووجودها في كيان الدولة بظرف مكان كــ "فوق".. لكن متولي إن لم يعي الكثير من الحقائق من حوله لتواضع ما حوله وما أتيح له من معطيات وموجِدات للحقائق، يعي حقيقة واحدة راسخة.. "أنا تحت.. تحت أوي كمان..!! أنا يمكن تحت الأرض!! يمكن هو ده اللي بيقولوله (مدفون بالحيا)!؟ آه والمصحف دا أكيد هوا!!" وطبيعي بما أن متولي "تحت" أو هكذا أُريد له أن يكون أو أن يرى نفسه.. فمن البديهي أن يرى كل من حوله "فوق"!!

دائماً منظوره للحياة كان منظور صرصوري البُعد إن تحريت الدقيق من التشبيه والتوصيف.. ربما كان كما نرى في هواجسه أمام الحاج عادل أبّي النفس ذو كرامة.. لكنه كان يعي مكانه كصرصور في هذا البلد.. يعرف أن هناك مليون شبشب من بتوع الناس "اللي فوق" ممكن أن ينزل على رأسه فينسفه نسفاً دون حول منه أو قوة!

(2)
ترك خواطره تلك وتمعن في المشهد الميداني. وجوه كثيرة ومختلفة يموج بها الميدان. كبحر من بشر مختلفين. لا يدري كيف يجتمعون ولا ماذا يريدون. "مش فاضي للكلام ده!" المهم أنه ميز فيما استطاع ان يُري نفسه من استراقات متعجلة أن من في الميدان هم ناس يجمعهم مشتركٌ واحد.. شرائط ألوان متراصة مميزة للعلم المصري.. البعض صبغ به وجهه، شباب حمله كما الأشرعة ليتهادى بفعل نسمات الهواء بدرجات شدتها المختلفة، فالهواء أحياناً ما كان ينساب بين الأجساد كنسمات خجولة بين أغراب ودودين لا يعيرونه بالاً.. وأحياناً أخرى كان يعصف بهم وبخيمهم التي نصبوها كيفما اتفق، غاضباً كإعصار ناقم على من جرؤ أن يقف أمامه.. بعض الفتيات كن يغطين به شعورهن. وبعضهن لمحه على جيدهن في قلائد وهو يختلس نظرات نادمة لكنها شهوانية لصدورهن.. البعض كان يلتحف العلم أو يبغي في دفئه بعض السلوى.. لم يخطر في باله أن الدفء الذي بغوه ونالوه هو دفء الوطن..

المهم أنه إبن سوق كما يقولون.. ولو تعلم شيء من فطنةِ التجار لاقتناص الفرص، فهو أن في الأمر رزق إن أعمل تلافيف مخه! "الناس دي نازلة كإنه في ماتش للمنتخب!! منا ممكن أطلعلي بسبوبه نضيفه من الحوار ده؟".. في المساء وحينما رجع لغرفته التي يحشر فيها جسده وأربعة أشقاء صغار وأمه العليلة، وهو يفترش ركن الغرفة على الحصيرة المتآكلة الأطراف، وينظر لسقف الغرفة الخانق والذي يخيل له أنه يزداد هبوطاً كل يوم في اتجاه صدره، مستهدفاً الإطباق على أنفاسه.! نعنشت الفكرة وازدهرت واحتلت جل تفكيره. لم يقطع أنغام أفكاره وانسيابها إلا أنات والدته وهي تتقلب في نومها.. "أنا أروح للحاج عادل آخد منه كام توب قماش وأفصلهم أعلام ونرمي الشغل وسط العالم دي وأكيد حاتُورزق".. وقد كان ما قد كان من لقاء الحاج في محله الضيق..
-        " ياحاج ربنا يخليك أنت عارفني حمار في ساقية وانا خدامك بس أنا في عرضك ما تردني أنا عارف حاعمل ايه.."
ابتسم التاجر له، لا يدري اكان بفعل الاستخفاف به أم تعاطفاً مع استقتاله على ما يبغي..
-        " ياحمار أنا خايف عليك.. ولا تعرف حاجة عن الشغلانة دي ولا جربتها! وبعدين يابني السريحة البلدية فشخاهم والبلد أصلاً مولعة وانت مالكش ديه! حاتعمل ايه لو جم يلموا اللي في الميدان!؟"
-        "حازوغ منهم ياحاج بالبضاعة ودي عايزة كلام!"

سيهرب.. إن قضى معظم حياته في أمر غير الفقر والجوع.. وغير العمل من أجل تأجيل مزيد قادم لا محالة من فقر وجوع.. فقد قضاه في الهرب.. في صباه كان يهرب وهو يلهو في أزقة الحارة من الفتية الكبار المتنمرين على هزيلي الأجساد مثله.. ليعود للبيت ليلاً كي يهرب من صفعات أبيه الراحل بكفه اليمنى العملاقة التي ينقصها عقلتين من سبابتها إثر حادثة في ورشة النجارة التي يعمل فيها.. أو من ركلاته البرازيلية لمؤخرته الصغيرة وسبابه المقذع عليه وإخوته، ولا يقيه منها إلا إرتمائه في حضن أمه الدافئ الواقي من شر الدنيا وشَرارِ غضبة أبيه..كبُرَ وصار يسرح في الإشارات المرورية بأي شيء من أجل أي شيء، ليهرب من دهس السيارات المسرعة أو من شرطي المرور ضخم الشارب الذي يتوعده بأنه إن أمسك به فإنه سيهتك عرضه! كبر مجدداً رغم محاولاته الحثيثة كي يبقى كما هو، ليعتاد الهروب من ضجيج الغرفة المزدحمة لضجيج الشارع القاسي.. يهرب من ضجيج تأوهات المرض أو استجداءات البطون الخاوية أو من مرور الديّانة وطرقاتهم الثقيلة على اللوح الذي يسندونه بمسامير صدئة ويسمونه باباً.. إلى ضجيج الشارع والسوق وما به من أشياء كلها تصرخ في أذنه وتمرِرُ حلقه! من هواتف محمولة تصدح بنغمات متفاوتة الضجيج إلى سيارات فارهة وغير فارهة تزعق أبواقها بوفرة الحظ الذي لا يملكه.. ومن صراخ البائعين الجائلين عن بضاعة يسرحون بها وأصحاب الحوانيت والمحلات الكثيرة التي تصرخ بضاعتهم معلنة عن نفسها لتعذبه ببعدها القصي عن يديه!! يهرب من نظرات الخوف من شكله المريب الذي لم يشكله بيديه وإنما نحتته على وجهه وسحنته قسوة الزمن.. ومن نظرات الشفقة على بؤسه من "الطيبين" من "أولاد الناس".. ويهرب من هذه الأخيرة أكثر من أي شيء آخر لأنها أنكى وأمر..

سيهرب.. إن جاء موظفوا البلدية والمحافظة سيهرب.. لا مشكلة.. الهروب هو إسم اللعبة التي يجيدها متولي أكثر من غيره..
تأفف الحاج عادل، وألقى شيشته من يده معلناً امتعاضاً وعدم ارتياح. لكن متولي لمح شكل مسرحي مبتذل لهذا الامتعاض، وعدم جدية فيه جعلته يترقب القبول القادم.

-        "مافيش فايدة مخك وسخ ومش حاتفهم إلا لما تاخد على نافوخك يا بهيم. خش قول لحودة يديك الطلب ولما نشوف أخرتها معاك يا ميتو"
لحظتها فقط.. لم يبتسم..لم يفرح.. بالتأكيد لم يلتفت "للكلمتين الحمضانين وتكسير المجاديف" فقد إعتاد ذلك اعتياده على أنه "تحت" وأن المعلم من الناس "اللي فوق".. لم يشكر المعلم، ولم يفكر في الخطوة القادمة لفكرته المتواضعة.. كل ما فعله أنه اتجه بصورة آلية للمخزن حتى يأخذ ما بغى وأراد.. في حين أسرع عقله وخياله في صرف أموال وهمية رأى بعين كفت أن ترى منذ فترة أي شيءٍ غير موضع قدمها من هذه الحياة القاسية.. أنه قد خاط وباع فاغتنى ببعض الجنيهات.. لأول مرة سيكون في جيبه مبلغ أكثر من عشرين جنيه! مشى بعقله في الزقاق القائد لمخزن الحاج عادل، وبقلبه وفكره مشى ليصرف بنقود ليست معه بعد على كل ما رآه في حياته وحرمته عنه الحاجة والفاقة.. لم يدري كيف هربت من عينه دمعة مختلفة هذه المرة.. اعتادت عيناه الدموع اعتياد فمه لوك اللعاب صبراً على الجوع.. لكن هذه المرة كانت لدمعته سخونة عجيبة.. سخونة كاوية ارتحلت في طريق الدمعة من مقلته الحولاء والهابط على خده المتشقق، لتنساب في دخول متسلل لركن فمه الجاف.. سخونة كوت كل ما اسخن روحه ونفسه من حرمان وضيق حال وقصر يد.. حينها فقط أوقف نفسه قبل أن يدلف على حودة المخزن شحيح الإضاءة.. ليجهش في البكاء..

(3)
مرت أيام على بدء متولي رحلة بيع الأعلام.. كانت له هو.. مجرد أعلام.. أما من مر به في الميدان ليشري لنفسه علماً لمصر.. فلم تكن كذلك.. منهم من كانت له هذه الأعلام ببساطة، أحلام! لهؤلاء صار لقطعة القماش تلك وزن ومعنى أكثر من الجنيهات التي يشتريها بها. لأول مرة كان البعض يشتري علماً احتفاءً بأمر غير الكرة ومبارياتها.. لأول مرة زار الكثيرين منهم طعم الكرامة والفخر بانتمائهم لهذا البلد.. ظهر ما كمن من معانٍ وعِبر لألوان قطعة القماش التي كانت في سبات ملول في أرفف مخزن الحاج عادل قبل أن يناولها صبيه حودة لميتو..

تجلى سواد العقود الماضية بما فعله الناس اللي "فوق" فينا ونحن كلنا "تحت".. تجلى هذا السواد وصار على العلم تَذكِرةً دائمة بما لا نبغي عودته..

تجدد حَمَار دماء الشهداء بمن سقط مجدداً لنسترد هذا الوطن ونرد عنه سواده.. تجدد هذا الاحمرار الطاهر على العلم ليلحق بدماء شهداء الحروب ومعارك التحرير من الجبهات إلى الميادين ،كنوط تكريم للأحياء، يشرفهم ويطلب منهم أن يعيشوا بكرامة تستحق ما ذهب من دماء لأطاهِرَ ملائكية، قدموها بكل نبل وسخاء كي يشرق هذا الوطن شمسٌ لا تغيب..

ظهر نصوع بياض القلوب الصادقة التي اجتمعت في ميادين مصر المختلفة، في التحرير والأربعين والقائد إبراهيم وسعد زغلول وابو الحجاج والمحافظة والساعة والمنفذ والإسماعيلية والمحطة والسمكة والسيد البدوي والبوسطة.. كل هذه الأسماء اختفت بفعل بريق بياض "الميدان" وإشراق أحراره وحرائره.. صار عنوان الجميع هو "الميدان".. وصار في بياض العلم الناصع كل الأمل والمستقبل..

البعض اشترى العلم من ميتو ومن على شاكلته يشاركه السبوبة ببيع الأعلام كي يلتقط صورة تذكارية تنتهي على حوائط وجداريات.. أو على مواقع شخصية في شبكات التواصل الاجتماعي.. بعض الآباء اشتراه ليسعد به أطفالاً كانوا سعداء الحظ أن يمضوا فقط بداية عمرهم بداية مباركية.. والبعض الآخر شراه كي لا يقال عنه أنه لا يملكه.. صد للأسئلة اللاذعة إن كان قد ساند الثورة أم لا.. العلم لهؤلاء صك براءة ودليل وطنية يفتقدونها..

لمتولي لم يكن لقطعة القماش التي صارت علماً إلا معنى واحد.. خمسة جنيهاتٍ أخرى يضيفها لجيب بنطاله المرقع عند عم إسحاق بتاع الرفَّه!! خمسة جنيهاتٍ أخرى تمكنه أن يشتري لأمه الدواء ولأشقائه الطعام الحقيقي لا الخبز الذي يمارس شتى الألعاب الأوليمبية في طابوره حتى يحصل عليه! كل علم من بضاعته لا يمثل لا الثورة ولا الميدان ولا الوطن ولا حرب اكتوبر ولا ثورة يوليو ولا حضارة المتاحف والمساجد.. وإنما بُلْغَة جديدة يسد بها فم الدائنين الملاعين أولاد الحرام!! متولي لازال يرى نفسه من الناس اللي "تحت".. لكنه بدء في الصعود على درجات السلم كأي صرصور مجتهد.. كل درجة أعلى من ذي قبل تعني عدد أقل من الأحذية و"الشباشب" التي قد يتعرض لها..  نوع جديد، لكنه لذيذ، من الهروب.. هروب نحو الأعلى..

(4)
في رحلته الأخيرة كان الميدان ملبد بغيوم من العسكر ورجال الأمن.. وجودهم يعني لمتولي القلق.. اعتاد وخصوصاً أيام الجمعة اكتظاظ الميدان بجموع المحتفلين والمتظاهرين.. يحفل ويفرح بمن جاء محتفلا بكرنفال الميدان.. فهؤلاء هم زبائن حقيقيين لأعلامه.. معنى وجودهم هو اختفاء الأعلام من عربته بسرعة البرق، تتخاطفها الأيدي ملقية بدل عنها خمسة جنيهات تلو الأخرى.. لكن في أوقات مشاركة المرح من قبل رجال الداخلية والجيش، يحبذ هؤلاء المحتفلين والزباين الطياري نزول الميدان عن طريق شاشات تلفازاتهم.. لتبقى أعلامه على عربته معوجة الدولاب.. ويبقى في الميدان من ألفهم من وجوه تأتي كي لا تروح، أو تبقى بشكل منتظم عن غيرها من وجوه تحج الميدان كفرض واجب مرة في العمر تكفيه لدخول الوطنية وضمان جناتها.. ألف وجوه هؤلاء وألفوه.. في أوقات كثيرة كان يفرغ من عربته وينتظر أن تتوقف شوارع القاهرة عن زمجرة زحامها حتى يرجع متهادياً متبختراً بعربته الفارغة.. وفي انتظاره لأوقات اختفاء الزحام النادرة تلك كان يتجاذب أطراف الحديث مع أهل الميدان كما أسماهم.. يتقاسم معهم لقيمات وجدت كرزق مريم أتتهم من عند الله لا يدري من أين جاءت ولا من شاركهم بها..

وجدوا فيه شعلة الطاقة التي يمكنهم أن يستغلوها بعد إستئذانه.. "ميتو. هات الصناديق اللي هناك دي".. "متولي إيدك معانا ننصب الخيمة دي لحسن شكلها حاتمطر"... "ميدو ينفع تجيبلي حاجة من العيادة اللي عند هارديز؟" "إسمي ميتو يا أبله مش ميدو" "هههه أسفة!" "ولا يهمك يا عسل عنيا".. أعجبه أن ما يقدمه لهم يقدمه هو عن طيب خاطر ودون يومية أو أجر..!! إستغرب الأمر في البداية.. ثم تقبله.. حتى أصبح مستمتعاً به!!

بشكل ما، صار هو، ابن الفقر والفاقة، صار منهم.. من الناس اللي "فوق"!! أو صاروا هم واتضح له.. أنهم مثله من الناس اللي "تحت"!! حاول أحدهم أن يقنعه بأن ما يفعلونه هو من أجله ومن مثله وأنهم كلهم تحت وطأة ذات المصاب.. لم يقتنع.. "عبيط ده ولا إيه؟؟ ده واد دبلوم صنايع وكسيب ومعاه موبايل بقامره!! يعرف ايه ده عن اللي "تحت"!! ".. لكنه بشكل عجائبي، لم يرهق نفسه كثيراً في التفكير به أو في تفسيره، أحس لأول مرة أنه ذو قيمة.. وأن الميدان بشكل ما قد صار منزلاً له.. هو مكان أقل ضجيجاً من كل مكان احتواه أو لفظه..

مرت سويعات وإذ بالقيامة تأون..!! رجال الداخلية وعساكر الشرطة العسكرية هبوا من كل صوب ليضربوا هذا أو يسحلوا تلك أو يركلوا هؤلاء!! .. لا.. لا تكن بهذه السذاجة.. لم يفر الدم في عروقه لما حل بالميدان.. أو تحول لرامبو مثلا.. فقد أسرع بالركض الماراثوني تجاه أعلامه ليحاول أن ينقذ جنيهاته... ما قد صارت أحلامه.. قيمته كإنسان.. وأن يلوذ بالهروب.. مجدداً الهروب.. دائماً الهروب..

حمل ما قدر عليه وما تبقى من أعلام وترك العربة المجنزرة في عمود الإضاءة وبدأ بالركض.. وقتها لم يفكر في الرصاص المتطاير من حوله.. لم يعبء لتسارع أنفاسه بفعل الركض وتثاقلها بفعل الغاز المدمع.. قد اعتاد الدموع كما نعرف.. لم يشغل باله في تخطيط طريق الهرب أو حفظ حياته.. لم يحفل بالفتاة الشابة التي تركض باكية دامية الرأس تبحث عن مهرب من هذا الجحيم المستعر! وإن ميزها في ثانية أو أقل أنها الأبله التي كانت تصر على أنه ميدو رغم تأكيده وحلفه الأيمان المغلظة أنه ميتو!!.. لم يفكر ولو للحظة في كل هذا المشهد الكابوسي من حوله.. فقد فكر في ما سيفعل بالخمسة جنيهات وأخواتها التي تسواها أعلامه.. تخيل وصرف ما في جيبه المرقع من نقود لم تأتي بعد، في أحلام أخرى ونفائس أخرى يحتاجها وأشقاؤه.. وقف متسمراً للحظة.. أحس بلطمة ثقيلة على قفاه.. لطمة متفجرة أوقعته أرضاً.. قام من سقطته.. مازال يصرف ما في جيبه المرقع من أموال.. خارت رجلاه تحته! استغرب قليلاً الأمر وحاول النهوض مرة أخرى.. لا يستطيع.. هناك سائل دافئ يبلل رقبته وظهره.. امتدت يده اليمنى لتحسس قفاه موضع اللطمة.. ويده اليسرى ليدفع للبائع ثمن بنطال جديد.. جينز تركي وارد الخارج أعجبه منذ إسبوع وتجرأ لأول مرة بتخيل نفسه يشتري كسوة له لا أن يأخذها من الجامع من إحسانات أهل الخير..

تلمست يده قفاه، أحس بفجوة غريبة لم تكن هنا هذا الصباح.. وضع يده ليتحسس جيب بنطاله الجديد ليتأكد أنه خالٍ من الثقوب ولن يحتاج لزيارة مضطرة لعم إسحاق بتاع الرفَّه.. رفع عينه امتداد نظره.. وجد الأبله التي كانت تبكي دامية الرأس تجري له وتحتضنه.. ضمة ليست محبة وإنما حانيةُ حامية.. تقيه من صفعات أبيه بكفه اليمنى العملاقة التي لطمته حالاً على قفاه لأنه أكيد أكيييد فعل مصيبة ما بفعل شقاوته وأطفال الحارة.. "ميدو!! قتلوك الكفرة!!" .. "يا أبله..إسمي.. ميتو مش.. مش ميدو".. تصرخ أمه ملتاعة القلب.. يتذكر صرختها هذه وخاله يبلغها بأن شقيقه الأكبر قد مات في المستشفى ولم يقدروا على إنقاذه بالجراحة التي كان في حاجة لها، لأنهم لا يملكون تكاليف المستشفى وأجرة الدكتور أستاذ الجراحة في كلية القصر العيني.. كان في حاجة لأن يدفع تكاليف الجراحة.. ثلاثمائة جنيه.. سعر أثواب القماش التي ناوله إياها حودة صبي الحاج عادل.... تاجر المنيفاتورا..... لينصب بها تلك الخيمة قبل هطول المطر على رأس أهل الميدان.. أشقائه هزيلي الجسد الذين يقتنصهم أبوه السكير الغاضب بلا سبب.. تحت عجلات العربات المدرعة........

-        " ...... أبله... هو العلم فين؟؟"

-        "قتلوك أولاد الوسخة!!! الكفرة!! ياااارب!!"

أهي..أهي..أهي.. يحاول أن يضحك.. فقعات وزبد من الدم يتطاير من وجهه ليغرق صدر الأبله العسل.. التي تدعوه ميدو ولا ينفع معها جل محاولاته بتذكيرها أنه ميتو..... على جيدها الذي علقت به قلادة تحمل العلم... علم مصر... شد قبضته على يدها التي احتضنت يده.. وقاوم ليتشبث بيده الأخرى بما تبقى من روحه قبل أن يلفظ أعلامه الأخيرة... أمسك العلم الذي في يده...... رفعه ناحية بصره الزائغ..... بعينه الحولاء..... تأمل العلم... جميل منظره.. لا رقع فيه... لا مزيد من الجنيهات لعم إسحاق بتاع الرفَّه... هذا اللص... يطلب منه كل مرة.... ثلاثمائة جنيه ثمناً لبنطال الجينز.... يغريه أنه تركي وارد الخارج..... هو مبهور بالبنطال وسيدفع فيه الخمسة جنيهات كاملة غير منقوصة..... حتى ينقذ أخيه...... من أن يمسك به شرطي المرور الذي يهدده بهتك عرضه إن وقع في قبضته.....

-        "...... أبله.... أماااه.... ردي عليا ياماااه"

-        ماتموتش يا ميدو!! إلحقونا يا عالم!!!! ياولاد الوسخة !!!! ياااارب!!!"

-        " أهي..أهي..أهي.."

-        "انت بتضحك!!!!!"

-        عارفة ياماااه... أول... مرة....... حاكون مدفون... مش بالحيا..............

تمت...
محمد سليمان
يناير 2012





Facebook Comments

Design by Blogger Buster | Distributed by Blogging Tips