ألزهايمر وطن  

March 14, 2012


ألزهايمر.. لأغراض المقالة أحببت أن أبحث عن تعريف تقديمي طبي للمرض حتى أربطه بدلالة المشاهدات التي أبغي عرضها ومن ثم الوصول لمغزى وجدوى – إن أمكن – للمقال ككل. وكأي باحث رديء يحترم قدراته البحثية المتواضعة اتجهت استسهالاً لويكيبيديا الملكة المتوجة على عرش المعلومة التيك أوي. والمقطع التالي أذهلني لأنه ببساطة يدلل على أني كاتب عبقري وملاحظ ناصح وأريب – حد فاهم أريب يعني إيه؟ – لأنه يخبر ما أو أن أقوله بدقة مرعبة لحد ما. إليكم المقطع باقتباس نزيه دون أي تصرف:

"وعلى الرغم من أن عوارض مرض الزهايمر تختلف من فرد إلى أخر، إلا انه هناك العديد من الاعراض المشتركة. وتكون الأعراض الأولى في بداية ظهور المرض هي التفكير الخاطئ والتي تكون متعلقة بالسن، أو مظاهر الإجهاد. وفي المراحل الأولى من المرض، تكون أكثر الأعراض شيوعا التي يمكن التعرف عليها هي فقدان الذاكرة، مثل صعوبة تذكر الحقائق التي تعلمها المريض حديثا. وعندما يلاحظ ويشك الطبيب أو النفسانى في وجود مرض الزهايمر، فانه يؤكد هذا التشخيص عن طريق التقييم السلوكي والتجارب الادراكية"

أعتقد أن المراد قد وصل.. تحتاج لتوضيح أكثر؟ حسناً.. باختصار يبدو أن وطننا بأكمله قد أصيب بحالة جماعية غير مسبوقة من الشيخوخة المفرضة التي أفضت به إضافة للوهن والضعف وقلة الموارد وبطء الحراك والتقدم، إلى حالة مرعبة من ألزهايمر لشعب كامل بأسره!! كل الأعراض منطبقة ولنوضحها معاً:

التفكير الخاطئ:
هناك حالة مسيطرة من التفكير الخاطئ لدى الجميع بما في ذلك كاتب المقال العبد لله!! التفكير الخاطئ المفضي لكوارث وليس لتأخير في الوصول لنتائج سليمة مثلاً.. تفكير يودي لداهية!! تفكير يدفع الناس لرفض التظاهر لإسقاط مبارك ونظامه لأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان! وكأن ما قد كان يعد أمر مقبولاً ويمكن السكوت عليه!! تفكير يدفع الناس لتصديق التراهات والتفسيرات المعلبة والجاهزة وليدة العقول الفقيرة من عينة أن الثورة مؤامرة وأن مصر مستهدفة! تفكير يدفع الناس للاعتقاد بأن وعد من تعود خلف الوعد ونقض العهد ثلاثون عاماً بأن لا يترشح أمر يمكن القبول به!! ثم التفكير الخاطئ الكارثي بأن سقوط مبارك الفرد الأحد يعني نهاية نظام سرطاني واجهه الجميع بمليون وجه من لواء متجبر لأمين شرطة أرعن!! ثم كارثة الكوارث بأن تلامذة الشيطان ومجلس من العساكر يمكن أن يعي ما قامت من أجله ثورة ويمكن أن يؤتمن عليها وأن يحقق لنا أحلامنا الوردية من حرية وديمقراطية!!! تفكير معيب هو في أن يرى الناس من عمومهم إلى بعض مرشحي الرئاسة أن البرادعي خواجه وأن هذا عيب!! وتفكير أعوج أن يعتقد البرادعي أنه وشباب من خلفه يمكنهم أن يكسبوا الناس من على تويتر وشاشات الفيسبووك!! تفكير بليد هو أن تربط بين اللحية وبين متاجري الدين وأن تهاجم مظاهر التدين وتخسر الناس دون أن تكسبهم..

 تفكير منحط أن تترك أسس الأمر وما يدلل عليه لتركن للفلحسة والتفلسف والتخلف في نقاش مظاهر لا تهم ولا تعني أحد!! كأن ترى أن المشكلة فيمن كشف عن عذرية الحرائر وبرأه قضاء يصيب ويخطئ.. وأن لا تناقش ذنب من أمر وغض البصر فأبكى القدر!! أن يفكر بعض الناس وهم يرون فتاة تجرجر على الأرض حتى خلع ملابسها: إيه اللي نزلها وليه لبسه عباية على اللحم؟؟ ولا يرون استخدام العنف غير المبرر والتفاف رجال جيش على فتاة تنكيلا وضربا أمر غريب أو يدعوا للتوقف!! ومن الناحية الأخرى أن يركز من ثاره الأمر على تجريد الفتاة من ملابسها وكأنه لا مشكلة إن لم تخلع عنها عباءتها!! الفكرة في العنف يا ساااادة!! تفكير عبيط هو أن ترى في مكسب سياسي جائزة تستحق أن تزايد على الدماء وأن تتجاهل أصوات الحق من أجل بعض الكراسي الفخمة تحت قبة ما.. تفكير خاطئ أن تعتقد أن كل من يخالفك الرأي ليس معك.. ومن ليس معك فهو (بالتأكي) ضدك.. ما ينفعك إن كانت الدنيا كلها معك.. على الجانب الخاطئ من الطريق؟؟!!

فقدان الذاكرة:
العرض الاكثر شهرة وانتشاراً لهذا المرض الشنيع.. ويبدوا أننا نبرع في هذا العرض ويبرز فينا عن غيره من أعراض!! منذ البدايات، نسينا – أو تناسينا – أن المشير وباقي المجلس هم أجزاء في النظام الذي هتفنا بإسقاطه.. منذ البداية نسينا أن الطريق طويل وأن الثورة على سنين من الفساد والجهل والفقر وأجيال من الخاضعين لا تكون في أيام أو أشهر.. وإنما في سنين مضادة من العمل والإيجابية والكرامة.. نسينا أن الأمر ليس في وجوه تأتي وترحل، وإنما في نظام كامل ومبادئ ثابتة لا تتجزأ.. سارعنا لتشخيص ثورتنا ومن ثم شخصنتها!! تشخيص لا أقصد بها تحليلها وإنما أقصد اختزال الثورة في شخص ما نسير خلفه كما البهائم على أمل أن يسوقنا إلى مرعى أخضر غير يابس!! نسينا أن شخصنة ثورة يوليو في عبدالناصر قادتنا لمبارك بشكل أو بآخر!! نسينا أن نسب بطولة حرب أكتوبر لدهاء السادات صنع لنا أسطورة الضربة الجوية.. ثم بعد كل ذلك شخصنا الثورة في كل منا!! صار الكل محلل سياسي جهبذ يمكن أن يناهز روعة وتحليل المبدعين سويلم أو سيف اليزل أصحاب نظريات كوز المحبة انخرم وخالتك نشرت الغسيل والجبنة البراميلي خلصت عند البقال وحنفية الحمام بتنقط بسبب الثورة!! الكل منا نصب نفسه ديكتاتوراً صغيراً.. ونسي أن الأمر ليس في مزايدة عمياء أو تجبر في الرأي يصنع من كل منا فرعونٌ أرعن! وإنما الخير في الصدق مع النفس وقبول الاختلاف مع الغير!!

ثم الطامة الكبرى بحالة فقدان الذاكرة الجنوني التي أدمناها منذ تاريخ 11 فبراير تاريخ تنحي المخلوع.. حادثة تلو حادثة.. كارثة بعد كارثة.. شهيد يتبع خطى شهيد.. أم ثكلى تكفكف الدمع عن أم مكلومة أخرى.. وماذا يحدث؟ قليل من الضجيج هنا أو هناك.. كثير من تصايح الديكة منفوشة الريش عن أننا لن ننسى وأنه طفح الكيل وأن دم الشهيد مش راح يروح.. ثم ماذا بعد؟؟ لا شيء.. حديث الساعة هو الانتخابات والفرص والبدائل والمستقبل.. لا حديث عن ماضً قريب أبكانا وأعجز بعض قوانا.. لا حديث عن دماء سالت وحقوقٍ سلبت.. السؤال إنت مع أبو الفتوح ولا صباحي؟ ولو شفيق كسب ممكن يحصل إيه؟؟

حالة ألزهايمر أصبحت أمر واقع عزيزي القارئ.. قم بالتحليل والتقييم السلوكي لمختلف أطياف الشعب.. إبدأ بنفسكك.. قم برصد الأحداث التي شهدها العام المنصرم.. تذكر ردود فعلك وقتها وحالة الإدراك الجمعي للشارع المصري لما يحدث.. ثم قم بقياس مدة استمرار حالة رد الفعل هذه من تاريخ الحدث ومتى انتهت بالتحديد.. هل انتهت بفعل الوقت أم بسبب الوصول لنتائج تنهي الفعل ورده؟؟ للأسف الأمر علمي لحد كبير ولا مجال لخطئه.. إن استمرت هذه الحالة من فقدان الذاكرة الجماعي فأي مخطط لاستمرار النهب أو السلب أو القتل أو التجبر أو لإيجاد فرعون جديد ستنجح.. الحل في أن لا ننسى.. الحل في استيقاظ لكامل الحواس وغزو لوسائل إلغائها كالإعلام وغيره.. الحل في استمرار المطالبة والتذكير.. يقولون: ما ضاع حق وراءه مطالب.. العبارة صحيحة للغاية.. ولنعلم أنه إن تهاونا في حق من الحقوق وقفزنا من عليه لنواصل الحياة على أمل خافت مبتذل بألا يتكرر الأمر في المستقبل.. ستضيع كامل الحقوق وسيستمر الاستنزاف لمستقبل هذا الوطن.

يقول الجميل علاء الديب في كتابه وقفة قبل المنحدر: "كل ما أريده هو أن يكون لى ذاكرة لا تعرف الصفح أو النسيان، ذاكرة لا تقبل العزاء"... ويقول العم الأبنودي: "ياعم اقعد بس واشرب شاي.. الدنيا ماشيه وشعبنا نساي"....!!!!
أترككم لشرب الشاي قبل أن يبرد...



Facebook Comments

Design by Blogger Buster | Distributed by Blogging Tips